Menu

تقاطعات الفكر والحياة مع الصديق عبد الرؤوف المقدمي

تقاطعات الفكر والحياة مع الصديق عبد الرؤوف المقدمي
بقلم الأستاذ العميد شوقي الطبيب في الذكرى الأولى لوفاة الفقيد

أيها الجمع الكريم
اسمحوا لي وفي البداية وبعد الترحم على روح أخي عبد الرؤوف أن أتوجه بجزيل الشكر الى أختنا آمال موسى ومن خلالها الى كافة أفراد عائلة الفقيد و أصدقائه وزملائه منظمي هذه التظاهرة بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لرحيله عنا، شكرا على الدعوة وشكرا على تكريمي بمنحي شرف برمجتي من ضمن المتدخلين الرئيسيين.ـ

الحديث عن عبد الرؤوف الإنسان والأخ والصديق والرفيق يطول فالرجل عرفت عنه خصال عديدة كما أن شبكة أصدقاءه والمقربين منه كبيرة وواسعة ولكل واحد منهم قصة أو وواقعة لا تزال عالقة بذهنه لا تمحوها الأيام.ـ

 

فيما يخصني تعرفت عليه رحمه الله خلال الأسابيع الأولى التي وضعت فيها رحالي بالعاصمة تونس طالبا بالسنة الأولى حقوق خلال خريف 1984 وشاءت الصدف أن نقيم بنفس المبيت الجامعي -هارون الرشيد بميتيال فيل- كانت أولى خطواتي بالجامعة التونسية وكان هو رحمه الله يستعد لمغادرتها.ـ

 

والمبيت الجامعي في تلك الحقبة من تاريخ تونس أي في بداية الثمانيات كان يغلي كالمرجل: جدل، سياسة، نقاشات، مشاحنات ومواجهات هي في الحقيقة رجع صدى لما تشهده الجامعة والساحة السياسية من أحداث في تلك الفترة العصيبة والمفصلية.ـ

 

كنا نحن معشر الوافدين الجدد تائهين، حائرين تارة و منبهرين أحيانا أخرى امام ذاك الزخم الهائل من السياسة: حلقات النقاش، الاجتماعات العامة، خطباء « حجرة سقراط »، المسيرات، المظاهرات والملاحقات والمواجهات مع قوات « البوب » …شهدنا أحداث الخبز في جانفي 1984 وكنا حاضرين على مواجهة حكومة المرحوم محمد مزالي مع اتحاد الشغل وسجن ومحاكمة القيادات النقابية وعلى رأسهم المرحوم الحبيب عاشور، عشنا وقع أحداث الأزمة مع ليبيا وطرد عشرات الآلاف من التونسيين منها والغارة الاسرائلية على حمام الشط، السقوط السياسي المدوي لمحمد مزالي وفراره الى الجزائر عشنا على وقع الازمات الطاحنة التي مرت على الاقتصاد التونسي وما أفضت اليه من مشاريع وسياسات الإصلاح الهيكلي….كنا نعيش خريف الحقبة البورقيبية وفي خضم كل هذا كنا نبحث عن مفاتيح للفهم والتحليل، كنا ننشد أصواتا ترشدنا وتنير لنا الطريق… بعضنا أستهوته الأحزاب والتنظيمات السياسية والبعض الآخر كما هو حالي وحال عبد الرؤوف المقدمي بقي مستقلا فكانت ربما هذه نقطة اللقاء الأولى بيني وبينه والتي دفعتني الى أن أقترب أكثر منه كجليس وأخ وصديق لا أتوجس منه خيفة الاحتواء أو التوظيف الحزبي فكنت أجتمع اليه ومجموعة من الأصدقاء بقصد التحليل والفهم منبهرين بسعة اطلاعه وامتلاكه لأخبار مصدرها الرئيسي عالم الصحافة الذي بدأ خطواته الأولى فيه وتحديدا جريدة الرأي التي كان عبد الرؤوف صحفيا متدربا فيها ولكن ليس فقط هذا ما جلبني الى الرجل فعبد الرؤوف الانسان كان يتمتع الى جانب حنكته السياسية وحكمته بطيبة معشر وأخلاق وحس مرهف قل نظيرها فأنت نادرا ما تسمعه يصيح أو يغلظ القول لشخص في حضوره أو غيابه ولعل ذلك مأتاه خلقه وطباعه وتأثره بالتعاليم الصوفية.ـ

 

وعلى الرغم من تخرج عبد الرؤوف من معهد الصحافة والتحاقه بدار الأنوار وبداية بزوغ نجمه غير أنه بقي يجذبه الحنين الى الصحبة القديمة وواصل زياراته لنا وواصلنا التحلق حوله يروي لنا مغامراته في عالمه السحري: ريبورتاجاته في بيروت- الحرب الأهلية، لقاءاته مع مثله الأعلى في الصحافة محمد حسنين هيكل ونكته وحكاياته مع مشغله المرحوم صلاح الدين العامري مؤسس دار الأنوار…ـ

 

لتشاء الصدف أو الأقدار أن ألتحق بدوري بمهنة المتاعب صحفيا بدار لابراس- الصحافة سنة 1988 ليتواصل هكذا التقاطع مع عبد الرؤوف متشاركين في النضالات والنقاشات صلب جمعية الصحفيين من أجل اعادة هيكلة المهنة و نظامها التشريعي وميثاق شرفها…احلام ورؤى عصفت بها رياح الاستبداد وبدايات محاكمات الرأي ودخان حرب الخليج الاولى وبداية الشتاء السياسي لتونس ولئن قررت حينها الاحتماء بقلاع المحاماة العتيدة وتطليق الصحافة الى حين غير أن حبال الود ودفء الصداقة مع عبد الرؤوف لم تنقطع وداومنا على التزاور وعلى اصطياد الفرص لللقاء وللسفر معا الى الخارج هو في اطار عمله الصحفي وأنا في اطار مهامي كرئيس لجمعية التونسية للمحامين الشبان أو المنظمة العربية للمحامين الشباب وان كنت أنسى فلن أنسى وقع أولى زيارة لنا الى بغداد سنة 1999 وكان ثالثنا الزميل العزيز الصديق الأستاذ كمال القفصي الذي كانت تجمعه بعبد الرؤوف صداقة كبيرة، كان العراق حينها محاصرا ولا يمكن الوصول إليه إلا برا عن طريق الأردن وكنا في رحلة تضامنية للمنظمة العربية للمحامين الشباب محملين بالتبرعات المقدمة من أدوية وكتب للأطفال اكترينا لإيصالها شاحنة صغيرة امتطيناها، كانت الطريق من عمان إلى بغداد طويلة والرحلة مجهدة تدوم أكثر من 18 ساعة كنت في نهايتها منهكا وقد أخذني النعاس حين وصلنا إلى ضواحي عاصمة الرشيد فجرا والظلام لا يزال يلفها لأستفيق على صوت عبد الرؤوف وهو يهزنا بيديه في حركات عنيفة و يصيح كالطفل الصغير « ..فيقوا فيقوا يا أولادي رانا وصلنا لبغداد… » وقضينا في العراق حوالي أربعة أيام أكاد أجزم أن الفقيد نام خلالها أربع ساعات فقط، كان حريصا على زيارة كل المعالم التاريخية لبغداد والكوفة والنجف وكربلاء …وملجأ العامرية الذي ذهبنا لزيارته في اليوم الثاني لوصولنا..وملجأ العامرية لمن لا يعرف أو نسي القصة هو ملجأ مدني محصن- أو هكذا ظن من بناه- لحماية المدنيين من القنابل بأنواعها وعلى الرغم من كونه كان يوجد على عمق ثلاث طوابق تحت الأرض فان القنابل الأمريكية طالته قصفا وحرقا فجر 13 فيفري 1991 ليستشهد تحت أنقاضه أكثر من 400 مدني عراقي معظمهم من النساء والأطفال القاطنين في ذات الحي الذي يحمل نفس الاسم: العامرية، وخلال هاته الزيارة كنا تحت ثقل اللحظة والصدمة لهول ما شاهناه فلقد كانت آثار الجلود المحروقة والملتصقة بالجدران لا تزال ظاهرة للعيان سوداء سواد الجريمة الشنعاء.ـ

 

كنت واقفا ساكنا في مكاني كالصنم على مستوى الطابق الأول لا أتحرك مستشعرا وجود الجثث التي استحالت الى رماد وتراب كنا نمشي فوقه وإذا بصوت بكاء خافت ومتواصل يدعوني الى الالتفات لأفاجأ بعبد الرؤوف منزويا في ركن من الملجأ محتميا بأحد أعمدته وهو يبكي ناحبا شهداء العامرية …وهي المرة الأولى والأخيرة التي كنت فيها شاهدا على ذاك الاندفاع العاطفي الجياش للفقيد المعروف عادة بالهدوء ورباطة الجأش.ـ

 

أريد أن أنهي بخاطرتين، الأولى تخص علاقة عبد الرؤوف ب »دار الأنوار »:ـ
بعد قيام الثورة عاودت الفقيد كما هو شأن كل صحفي حلم اصدار جريدة يكون هو صاحبها فقام بإجراءات الاعلام القانوني وتحصل على تأشيرة جريدة تحت عنوان » المنتدى » كان ذلك في أفريل 2011 ثم طلب مني أن أشاركه في تأسيس دار نشر وإعلام اخترنا لها تسمية  » دار أفريقية للنشر والصحافة والاعلام » فتوليت القيام بجميع الاجراءات القانونية اللازمة واتصلنا بمجموعة من الاصدقاء لجمع المساهمات ولم يبق لانطلاق المشروع إلا تقديم عبد الرؤوف لاستقالته من « دار الأنوار » وتفرغه لتسيره، غير أنه أبى ومانع وماطل وتلدد الأشهر العديدة ليصارحني أسابيع قليلة قبل رحيله أنه لم يقدر على قطع الحبل السري الذي يربطه ب »دار الأنوار ».ـ

 

الخاطرة الثانية وهي سؤال أعتقد أنه سيحير كل من سيهتم بسيرة عبد الرؤوف الانسان أو الصحفي: كيف يمكن تقديمه واختصار رؤاه ومواقفه؟ أقول لهم الحصول على الجواب يسير: استحضروا مشهد جنازته، استحضروا صورة تلك الآلاف التي جاءت لمواراته الثرى، كانوا محفلا فريدا من مختلف المشارب الفكرية والسياسية والاجتماعية قلما نشهده، كانوا اختزالا رائعا لتونس التي كان عبد الرؤوف أسطع وأجمل صورة لها.ـ

 

فعلا كنا معشر المقربين من عبد الرؤوف محظوظين ونحن لذلك مدركين…ـ
شكرا « أبو يوسف » على الصحبة الجميلة وعلى كل الحب الذي منحتنا اياه والى اللقاء بك مجددا عند القدير.ـ

Organisations et Instances