Menu

شوقي الطبيب رئيس الهيئة الوطنيّة لمكافحة الفساد:الهيئة أحالت 48 ملفّا حول الفساد على أنظار القضاء

بعد صدور تقرير دائرة المحسابات خلال الأسبوع الفارط والذي أشار إلى ملفّات فساد في عدة مؤسسات، وتزامنا مع إمضاء اتفاقية تعاون بين الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ووكالة التعاون الكورية يوم 23 فيفري الجاري والتي نصّت على الحصول على منظومة إعلامية متطوّرة  للتبليغ، التقت “صوت الشعب” السيد شوقي الطبيب رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وأجرت معه الحوار التالي.

بعد مباشرتكم لمهامّكم، كيف تقيّمون أداء الهيئة؟

عموما لا يمكن تقييم أداء الهيئة خلال انطلاقتها الفعلية منذ شهر، ولكن منذ أن تولّيت مهامي وجدت وضعية حرجة على مستوى الإمكانيات، ولهذا عملت على ضرورة توفير الحدّ الأدنى منها، حيث قمت بعقد لقاءات مع مسؤولين من أعلى هرم الدولة وإعلاميين والمجتمع المدني من أجل التحسيس على وجوب تعزيز إمكانيات الهيئة في أقرب وقت ممكن.

هل وجدتم استجابة من قبل المسؤولين من أجل توفير إمكانيات للهيئة؟

من خلال اللقاءات التي عقدتها، وجدت استجابة. لكنها ظلّت بطيئة لأنّ الأمر مرتبط بالتعامل في بعض الأحيان مع طرف إداري له إكراهاته البيرقراطية. كما أنّ الإشكال الآخر يتمثّل في الميزانية المرصودة للهيئة بعنوان سنة 2016 (390 ألف دينار) وهي نفسها التي رصدت في قانون المالية لسنة 2015 وهي لا تفي بالحاجة مطلقا.

ورغم كلّ هذا، فهناك وعود من قبل رئيس الحكومة على أن يتمّ تعزيز وفي أقرب وقت الميزانية إمّا في إطار دعم إضافي أو في إطار قانون المالية التكميلي، كما تمّ تعزيز الإطار الإداري للهيئة.

في تصريحات صحفية سابقة أشرتم أنّ 90 بالمائة من الملفّات المتعلّقة بالفساد متورطة فيها أجهزة الدولة، فهل تعتبرون أنّ هامش الاستقلالية لدى الهيئة يسمح لها بالاشتغال على هذه الملفّات الحسّاسة؟

للتصحيح وللتدقيق، خاصة وأنّ بعض وسائل الإعلام نقلت هذا الخبر بطريقة مغلوطة، فشخصيا لم أذكر أنّ قرابة 90 بالمائة من الملّفات مورّطة فيها الإدارة. فما ذكرته هو أنّ 90 بالمائة من الشكاوى ومن العرائض هي من الإدارة. فقرابة 70 بالمائة من الملفّات التي وردت على الهيئة هي ليست من اختصاصها. فالمواطن الذي تقدّم بشكاية لأنّ الوالي أو المعتمد لم ينظر في ملفّه لا يمكن اعتباره فسادا، وبالتالي فإنّ هذه الأطراف لا تكون مورّطة في هذه الحالات. وقد  سبق أن ذكرنا هذا لأنّنا نعيش في ظل دولة مركزية وفي ظلّ بيرقراطية إدارية كبيرة. فالإدارات هي نقطة قوّتنا ونقطة ضعفنا في آن واحد، ولهذا فإنّ الرقم المذكور يهمّ عدد الشكايات المروفوعة من قبل المواطن ضدّ الإدارة بمعناها الواسع. كما أنّ الإدارة لا يمكن أن تكون في ذات الوقت الخصم والحكم. ولهذا أنشئت هذه الهيئة المستقلة ماليا وإداريا والتي دعت إلى إحداثها الاتّفاقيات الدولية لمقاومة الفساد. ومن خلال أعمالنا وتعاطينا مع الملفات سيدرك الجميع أنّ الهيئة تعاملت بكلّ استقلالية.

هل وجدتم عراقيل أو ضغوطات مورست عليكم إلى حدّ الآن؟

إلى حدّ الآن ومنذ شهر على انطلاقة أعمال الهيئة تعاملنا مع قرابة 1700 ملف، معظمها قديمة. بعد فرزها قمنا بإحالة 48 ملفا على أنظار القضاء، كما تمّ حفظ ملفات أخرى لعدم الاختصاص مقابل إعادة التحقيق في ملفات أخرى. من جانب آخر وبخصوص بعض العراقيل، لاحظنا عدم التفاعل مع مراسلات الهيئة بخصوص ملفات معيّنة، خاصة عندما تقدّمنا بطلب توضيحات من قبل بعض الإدارات، ما دفعنا إلى التوجّه بطلب إلى رئيس الحكومة قصد إصدار منشور لحثّ هذه الإدارات من أجل تطبيق القانون وتقديم إجابات حول طلبات الهيئة. فالقانون يفرض على المؤسسات والإدارات والوزارات أن تتعامل مع الهيئة وتضع على ذمّتها كافة الإمكانيات والمعطيات التي ترد عليها فيما يتعلّق بمكافحة الفساد حتى يتسنّى توفير قاعدة بيانات حول هذه الظاهرة توضع فيما بعد على ذمّة الباحثين وحتّى تتمكن بعد ذلك الهيئة من إصدار تقريرها السنوي والدراسات والأبحاث وممارسة مهامّها المنصوص عليه قانونا.

المهام التي تنتظر الهيئة ليست بالهيّنة، فما هي الآليّات حسب رأيكم لمكافحة الفساد؟

حسب اعتقادي فمن الأولويات اليوم هو ضبط خطّة وطنية لمكافحة هذه الظاهرة، فالجميع يتفّق على توصيف الفساد والجميع اليوم يقرّ أنّه أصبح آفة وآن الأوان لمكافحته حتى لا نصل إلى مرحلة الدولة المافيوزية وإلى وضعية اللاّعودة، خاصة وأنّ في ظلّ غياب آليات الحوكمة الرشيدة فإنّ هذه الآفة تجعلنا نتراجع بنقطتين في نسبة النمو الاقتصادي. ورغم أنّ المسؤولية مشتركة إلاّ أنّ الاختلاف ظلّ في مستوى تحميل المسؤوليات. ومن جانب آخر وأمام الاتفاق على التوصيف، دُعينا إلى تطبيق وصفات الدول التي نجحت في مكافحة الفساد والمنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية والتجارب المقارنة في إطار خطّة وطنية تجمع الهيئة والسلط الثلاثة (التشريعية والتنفيذية والقضائية) ومكوّنات المجتمع المدني والإعلاميين ويقع نقاشها ووضع مراحلها وخارطة طريقها على المستوى الآني والمتوسط والبعيد. وقد لاقينا تجاوبا طيّبا من قبل رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النوّاب ولجنة مقاومة الفساد وإصلاح الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري وكمال الجندوبي الوزير المكلّف بالعلاقات مع المجتمع المدني وسيتمّ قريبا عقد مجلس وزاري حول هذا الموضوع من أجل إيجاد آليات هذه الخطّة الوطنية لمكافحة هذه الآفة الوبائية.

هل تعتبرون أنّ الإصلاح الإداري والعمل بمبادئ الحوكمة الرّشيدة والشّفافيّة عاملا مساعدا لمكافحة منظومة الفساد؟

أكيدا جدا أنّ الإصلاح الإداري والعمل بمبادئ الحوكمة الرشيدة والشفافية عاملا مساعدا في مكافحة هذه المنظومة، فالمرسوم عدد 120 لسنة 2011 المؤرّخ في 14 نوفمبر 2011 المتعلّق بمكافحة الفساد ينصّ على أنّ “الدولة تضمن إقرار برنامج شامل لتبسيط الإجراءات الإدارية وتعصيرها خاصة عن طريق اعتماد تكنولوجيا الاتّصال والمعلومات في إسداء خدمات إدارية” ما يعني أنّ تعصير الإدارة وتأهيل هياكل الرقابة والتدقيق يؤدّي إلى التقليص من الفساد الذي تمارسه أطراف وأشخاص تعتمد وسائل متطوّرة اليوم.

 التّقرير الصّادر عن دائرة المحاسبات وقف عند عديد مناطق الغموض في تصرّف الدولة، ما هو رأيكم وما مآل ما جاء في هذا التقرير؟

التقرير الصادر عن دائرة المحاسبات وضع الإصبع على بعض المشاكل وعلى بعض الملفّات التي يُشتمّ منها رائحة الفساد وسلب المال العام وغياب آليات الحوكمة الرشيدة في أغلب الإدارات والمؤسّسات العمومية. لكن الإشكال كما في السابق ظلّ في مستوى إحداث هيئات رقابية تصدر تقارير أصبحت بعد الثورة تُتلى في الندوات الصحفية ويطّلع عليها الرأي العام. وهو أمر إيجابي من ناحية، ومن ناحية أخرى لا يكفي. فنحن اليوم في حاجة إلى إعادة النظر في منظومة الرقابة بصفة عامّة بمعنى ضرورة إخراجها من إشراف السلطة التنفيذية. فمن يراقب ومن يحقّق ومن سَهَا يقوم بالتدقيق وإصدار الحكم القضائي لا يجب أن يكون تحت إشراف السلطة التنفيذية سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فأغلب التجارب المقارنة عملت على نفس هذا المنوال حتى أصبحت الهيئات العاملة في هذا المجال مستقلة تماما لأنّ الإشكال ظلّ دوما في السلطة التنفيذية. أمّا من جانب آخر فيظلّ الإشكال في مآل هذه التقارير. ولهذا نرى أنه من المهمّ إيجاد آلية قانونية لمعرفة مآلها وحتّى لا تظلّ مضامين هذه التقارير دون متابعة رغم أنّ بعض ملفّات دائرة المحاسبات تمّت إحالتها على أنظار الجازر المالي فيبقى السؤال حول تدخّل القضاء وقرارات السلطة السياسية التي تتسلّم هذه التقارير.

أمّا بخصوص تعامل الهيئة مع تقرير دائرة المحاسبات، فقانونيا ونظريا يجب أن نتسلّم هذه التقارير حتى يتسنّى لنا إمّا مواصلة أو إعادة التحقيق في بعض هذه الملفّات كما سنقوم بفتح تحقيقات في بعض الجوانب الغامضة صلب هذا التقرير، من ثمّة نقوم بالتنسيق مع القضاء بخصوصها حسب ما ينصّ عليه الفصل 36 من قانون إحداث الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.

ذكر رئيس دائرة المحاسبات أنّ قرابة 20 ملفّا أحيل على القضاء، ما حقيقة هذا الموضوع وهل ننتظر محاسبة جدّيّة؟

بخصوص هذا الرقم حول الإحالة على القضاء فليست لي معطيات دقيقة إلى الآن، لكننا نريد معرفة أوّلا مصير الملفات القديمة لأنّ الدائرة تقوم دوما بالإحالة على دائرة الجازر المالي أو مباشرة إلى النيابة العمومية، وثانيا ردّة فعل السلطة السياسية خاصة الحكومة التي يتوجّب عليها اتّخاذ الإجراءات اللاّزمة. وبالتّالي فسنقوم بطلب للحصول على المعطيات والبيانات حتّى نتحمّل مسؤوليّتنا، وإذا تمّت إحالة ملفّات على القضاء، فلا يمكن لنا أن نواصل النظر أو التحقيق فيها. ولكن ما أودّ قوله بهذا الخصوص أنّه يتوجّب تشجيع ما تقوم به هيئات الرقابة ودائرة المحسابات حتّى تتحمّل مسؤوليتها أكثر.

 

باعتباركم رئيسا لهيئة مكافحة الفساد، الشّعب التّونسي ينتظر منكم الكثير بهذا الشّأن، بماذا تعدونه؟

 ستقوم الهيئة بإطلاق موقع إلكتروني باللغة العربية بداية من شهر مارس المقبل حتى يتسنّى للمواطنين الإعلام أو الإبلاغ من خلال صورة أو وثائق حول الفساد مع توفير ضمانات للمتقدّم والحفاظ على سريّة هويّته. أيضا قامت الهيئة بإمضاء اتفاقية يوم الثلاثاء 23 فيفري الجاري مع رئاسة الحكومة ووكالة التعاون الكورية حيث ستتحصّل الهيئة على منظومة إعلامية للتبليغ عن بعد ورصد الشكايات، وهي تجربة رائدة ومتقدّمة وهي الأولى على المستوى العالمي. وفي جانب آخر، وفي إطار حرص الهيئة على العمل بالشراكة مع الإعلام والمجتمع المدني سنقوم أيضا بإمضاء اتفاقية مع المركز الإفريقي لتدريب الصحفيين والاتصاليّين التي تهدف إلى تدريب مدرّبين في مجال الصحافة الاستقصائية. وسنقوم أيضا بتكوين لجنة قارّة مع المجتمع المدني قصد التعامل والتكامل فيما بيننا. وسنقوم بتخصيص جزء من الميزانية التي سيتمّ رصدها للهيئة في إطار أعمال الشراكة مع المجتمع المدني، إضافة إلى الحملات التحسيسيّة التي تهدف إلى تحميل المواطن التونسي مسؤوليته. فمن المهم اليوم أن يتمّ إقناعه بإمكانية مكافحة الفساد وأن يتخلّى عن ثقافة الاستكانة وأن يمارس أيضا مواطنته ويتصدّى لمظاهر الفساد الصغير حتى لا تحوّل فيما بعد إلى  فساد كبير.

****************************************

من مهام الهيئة الوطنيّة لمكافحة الفساد حسب المرسوم الصادر سنة 2011:

– اقتراح سياسات مكافحة الفساد ومتابعة تنفيذها باتّصال مع الجهات المعنية.

– إصدار المبادئ التوجيهية العامة باتّصال مع الجهات المعنية لمنع الفساد ونظم ملائمة لكشفه.

– الكشف عن مواطن الفساد في القطاعين العام والخاص.

– تلقّى الشكاوى والإشعارات حول حالات الفساد والتحقيق فيها وإحالتها على الجهات المعنية بما في ذلك القضاء.

– إبداء الرأي في مشاريع النصوص القانونية والترتيبية ذات العلاقة بمكافحة الفساد.

– جمع المعطيات والبيانات والإحصائيات المتعلّقة بالفساد لإحداث قاعدة بيانات بهدف استغلالها في إنجاز المهام الموكولة إليها.

– نشر الوعي الاجتماعي بمخاطر الفساد عن طريق الحملات التحسيسية وإقامة الندوات واللقاءات وإصدار النشريات والأدلّة وتنظيم الدورات التدريبية والإشراف على برامج التكوين.

– تعمل الهيئة على التعاون مع نظيرتها بالدول الأجنبية والمنظمّات الدولية المختصة ولها أن تبرم معها اتّفاقات تعاون في مجال اختصاصها. كما تسعى إلى تبادل الوثائق والدراسات والمعلومات معها بما من شأنه أن يكفل الإنذار المبكّر بجرائم الفساد وتفادي ارتكابها وكشفها.

Organisations et Instances